الربيع العربي وإشكالية الدولة والديمقراطية” “حديث في الدولة المدنية” (الحلقة الثانية)

الربيع العربي وإشكالية الدولة والديمقراطية” “حديث في الدولة المدنية” (الحلقة الثانية)

الربيع العربي وإشكالية الدولة والديمقراطية” “حديث في الدولة المدنية” (الحلقة الثانية)


سؤال الدولة المدنية الذي تعنونت به الثورات العربية كمطلب واجب التنفيذ وحال الأداء في زمن الربيع العربي لم يُطرح على طاولة النضال دفعة واحدة كمطلب ثوري حال الأداء في التجربة الأوروبية؛ بل كان نتيجة للعديد من التحولات التأريخية التي قادها فعل التغيير الثوري في معادلة “صراعِه” المرحلي مع القوى التقليدية الممانعة ، “بدءًا” من الصراع بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية والذي انتهى بانتصار هذه الأخيرة التي تحولت فيما بعد إلى سلطة عائلية مستبدة أو ملكية مطلقة أو في أحسن أحوالها ــ سلطة زمنية قائمة على الإمتياز الشخصي ــ تمارس فعل الاحتكار للمجال السياسي العام؛ لتبدأ على إثر هذا الإنتقال جولة من الصراع والحراك الثوري “لاسيما” بعد أن ضاق المجتمع “ذرعاً” بمغامرات الحكام وسوء استخدامهم لهذه السلطة العامة التي بدأت وكأنها تخضع لمفهوم الحيازة الشخصية وتمارس سلطة الإمتياز الشخصي ، وقد انتهى هذا الصراع الذي قاده فعل التغيير بتحويل هذه السلطة القائمة على البعد الشخصي إلى مؤسسة قائمة على البعد القانوني والدستوري = ( دولة المؤسسات والقانون )
بمعنى أدق تحولت السلطة إلى دولة بالمفهوم الحديث مع ظهور وتطبيق المفهوم المؤسسي والقانوني الذي تكفل جذرياً بحل المشكلة التأريخية المتعلقة بالسلطة عن طريق تحرير هذه الأخيرة من سلطة الأفراد والجماعات وتسليمها إلى سلطة القانون والدستور = ( العقد الاجتماعي ) .

بمنطق هذا التحول التأريخي والثوري الذي أدى إلى اختراع فكرة الدولة تحول الفرد إلى مواطن لاسيما وأن المواطن مع هذا التحول بدأ يشعر أنه لا يطيع أشخاص بذواتهم أوحتى يخضع لنفوذهم الشخصي بل أصبح يقاد بفكرة الدولة المناط بها تطبيق القانون والدستور اللذان أصبحا في ظل هذا الشكل السياسي الجديد سلطة عليا فوق الحاكم والمحكوم ، هذا يعني أن السلطة في ظل الدولة ، تحولت إلى وظيفة عامة والحاكم تحول إلى موظف عام في جهاز الدولة محكوم هو الآخر بسلطة النظام والقانون والدستور؛ بحيث أصبح هذا الأخير يحدد ما للحاكم وما عليه؛ بل ويجيز محاكمته ومحاسبته وعزله أمام مؤسسات الدولة في حال أساء استخدام هذه السلطة بأي شكل من الأشكال .

صحيح أن الحاكم في ظل الدولة مازال يمارس سلطة عليا على أفراد الشعب كما أنه فوق ذلك أصبح “رمزا”ً سيادياً لفكرة الدولة وهذا ما يجعل منه شخص محاطاً بـ (هيلمان السلطة) وبريقها الآخاذ؛ لكنه في المقابل يظل “محكوماً” وخاضعاً في كل ممارساته لدستور الدولة ومؤسساتها التى اخترعها الشعب وتعبر عن إرادته في نفس الوقت؛ وبمعنى آخر أصبح الرئيس في الدولة منفذ لسلطة القانون والدستور لا حاكمًا بمفهوم السلطة المطلقة لهذا نجده وفق أدبيات الدولة يُعٓرٓفْ بكونه (رئيس السلطة التنفيذية) يقابله في هذه الأدبيات رئيس السلطة القضائية ورئيس السلطة التشريعية ، هذا يعني أن القانون والدستور هو الذي يوزع الصلاحيات ودرجة التراتبيات وحتى المزايا لهؤلاء الرؤساء في جهاز الدولة على اعتبار مواقعهم الوظيفة والسيادية وليس على الإعتبار الشخصي .

عند هذا الحد من التحول الذي قادهُ فعل التغيير في التجربة الأوروبية؛ وُجدت الدولة المؤسسية التي أخذت “بعداً قوميًا” ثم تموضعت مؤخراً على البعد الوطني بصيرورتها النهائية؛ لكن بعض التجارب الثورية لم تقف عند هذا الحد من التطور ولم تكتفِ بظاهرة الدولة المؤسسية أو دولة القانون ، لاسيما فيما عرف تاريخيا بدول ــ الغرب الرأسمالي ــ وذلك يعود لوجود سببين جوهريين هما :

الأول : -
إن دولة المؤسسات أو دولة القانون بمفهومها العضوي الكلاسيكي لم تستطيع أن تحدث قطيعة تأريخية بشكل مطلق ونهائي مع مفهوم الإستبداد السياسي الذي ظل وجوده “ممتدا”ً وشكل أسباباً لاستمرار حالة الاحتقان السياسي “لاسيما” فيما يتعلق بطريقة الوصول إلى سلطة الدولة واتخاذ القرارات السياسية فيها ، وكذلك فيما يتعلق بممارسة الحقوق والحريات داخل الجماعة المحكومة؛ صحيح أن الدولة بالمفهوم السابق هي دولة قانون ودستور وقد حققت بعضها كثيراً من التحولات والتقدمات على كل المستويات والأصعدة بما في ذلك تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية؛ لكنها ظلت في أحسن أحوالها دولة المستبد العادل ،
هذا يعني أن كعب الدولة الأخيل في أحسن صورها تمثل على الدوام في إصرارها الممانع على فتح باب المشاركة السياسية بأدوات ديمقراطية أمام المكونات الإجتماعية والتى أفرزها الواقع المتحول وهو ما أدى إلى اتخاذ منهج العنف أو الإنقلابات العسكرية “طريقا”ً وسبيلًا للوصول إلى سلطة الدولة ، وهذا ماو يفسر ظاهرة التعاقب للحكام العسكريين أو ظاهرة حكم الحزب الواحد والقائد في هذه الدول؛ “لاسيما” في زمن الأيديولوجيات التي غزت أوروبا الشرقية وحلفائها في أرجاء المعمورة ، ولما كان العنف هو طريق الوصول إلى كرسي الرئاسة في التجربة السياسية لهذه الدولة؛ فإن الحاكم بمجرد وصوله إلى كرسي الرئاسة = ( فرداً كان أو حزباً ) كان يسعى جاهداً بهدف إمتلاك كل أدوات القوة والسيطرة وكذلك احتكار وسائل التأثير والنفوذ على المستوى السياسي حتى يضمن البقاء على رأس السلطة مستغلا ً ظاهرة السكونية الإجتماعية في الشعوب الخاملة ، وهو ما أدى إلى عودة قوية لمفهوم السلطة وبشكل جعل من هذه الأخيرة “قادرة” على ابتلاع مفهوم الدولة ومؤسساتها وحتى مفهوم الوطنية على اعتبار أن الوطنية هي مجرد قيم ومبادئ وأهداف سامية وإنسانية؛ لكنها “حتما”ً تموت في ظل وجود ظاهرة الإغتراب السياسي أو في ظل وجود مجال سياسي عام مغلق و”أحادي التكوين” إلا في حضرة الزعيم الملهم أو في حضرة الحزب القائد والمسيطر .

الثاني :-
أن تلك التحولات الثورية التي انتجت الدولة بمفهومها المتجاوز لمفهوم السلطة ارتبطت في أوروبا منذ البداية بوجود سلطة أهل الفكر = ( فلاسفة ومنظرين ومفكرين وكتاب ومثقفين وغيرهم… )؛ أي أن تلك التحولات كانت متسلحة إبتداءً بعين بصيرة وثاقبة في مسار التغيير، وهذه السلطة الخالية من الأدوات المادية ساهمت في كثيراً من التحولات ليس على المستوى السياسي فحسب؛ بل على المستوى الثقافي والإقتصادي والإجتماعي؛ فعلى المستوى السياسي وانطلاقاً من واقع الحال القائم والمتغير في أوروبا؛ تم تأليف أعظم الكتب المتعلقة بالفكر السياسي وكذلك المتعلقة بعلم الإجتماع والسياسية والفلسفة على يد أعظم الفلاسفة والمفكرين على الإطلاق؛ وعلى المستوى الثقافي تم تحويل قيمة الحرية والتسامح والقبول بالآخر وثقافة الحوار إلى نظام معرفي وثقافي في تلك الشعوب أو إلى جهاز مفاهيمي حداثي يمارس حالة تحكمية ، بل وينفخ الروح في الثقافة وفي سلوك العامة داخل الوسط الإجتماعي =( عقل سائد أو عقل جمعي متمدن ) وعلى المستوى الإقتصادي تغير نمط الإنتاج بشكل كبير وشهد الفكر الإقتصادي أعظم التحولات والجدل العلمي مع بروز أعظم نظرية علمية إنسانية في عالم الإقتصاد = ( الماركسية ) التي خاضت جدلاً وصراعاً إنسانياً مع نظيرتها الرأسمالية ، كل ذلك انعكس “إيجابيًا” على المستوى الإجتماعي حيث شهد المجتمع تغير كبير في بنية نظامه التراتبي ، وفي قِيمه الثقافية وحتى في شكل المؤسسات الناظمة والتي كانت تمارس دوراً تحكمياً في حركة الجماعة وفي العلاقات الإجتماعية بين الأفراد والجماعات “لاسيما” المؤسسات التقليدية العصبوية “قبلية أو دينية مذهبية…” والتي فقدت وظيفتها التأريخية في تلك الظروف لصالح مؤسسات حديثة مدنية نشأت على إثر هذه التحولات السياسية والثقافية وحتى الإقتصادية التي طالت قاع المجتمع ومست كل مكوناته ولم تتوقف على سطحه القشوري كما هو حال البُلدان العربية التي عاشت عقود ومازالت حتى اليوم تعيش في وهم الدولة الوطنية التي تبخر بعضها وتلاشا بشكل يتجاوز مفهوم السقوط بمجرد سقوط الحاكم العربي بفعل ثورة الربيع !!!.
المصدر : فهمي محمد