الربيع العربي وإشكالية الدولة والديمقراطية , حديث في الدولة المدنية *(الحلقة الرابعة)*

الربيع العربي وإشكالية الدولة والديمقراطية , حديث في الدولة المدنية *(الحلقة الرابعة)*

الربيع العربي وإشكالية الدولة والديمقراطية , حديث في الدولة المدنية *(الحلقة الرابعة)*


بيت القصيد في هكذا سردية مكثفة تناولت في مجملها أبعاد تلك التطورات التاريخية والمرحلية في صيرورة الدولة المدنية داخل التجربة الأوروبية تعني اولاً :

أن الدولة المدنية لم تكن سؤالاً إشكالياً أو مطلباً ثورياً حال الإدا أمام الفعل الثوري كما هو الحال بالنسبة لنا في جميع الأقطار العربية ، بل كانت أي الدولة المدنية نتيجة طبيعية لتلك التحولات والتطورات الثورية التي اتخذت مسارات متعددة ولكنها متحايثة على المستوى الرأسي وعلى المستوى الأفقي وحتى على المستوى التحتي التي لم تكتفي بإخفاء التجاعيد الموجودة على سطح المجتمع كما هو الديندان في تجربتنا العربية ، بل غاصت تلك التحولات الجذرية بفعل التغيير الثوري داخل اعماق المجتمع الأوروبي حتى قاعه الأخير وبشكل أدى إلى قطيعة فعليه مع كل ماهو ماضوي وممانع لمسار التقدم والتطور نحو المستقبل .

أما ثانياً : فقد كانت هذه السردية المكثفة ضرورية لكونها قادرة على تقديم صورة متكاملة عن تلك المعطيات والرافعات التي شكلت بمجملها حاملات موضوعية للدولة المدنية وحتى لإستمرارها كحالة ناجعة في المجتمع الغربي = ( الشروط الموضوعية)

ما يجب أن نفهمه هنا أن فعل التغيير في التجربة الأوروبية لم ينجح في تغيير ماهو قائم أوحتى في هدم ماهو قائم ، بل نجح فيما هو غائي من وراء هذا الفعل الثوري والذي تمثل دائما في إنتاج شروط التحول التاريخي أو قل نجح فعل التغيير الثوري في خلق القابلية السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية الملائمة لتطبيق المشروع الثوري = ( الدولة المدنية الحديثة) وذلك في اعتقادي مربط الفرس في أي عملية ثورية تتوخى التغيير الجذري ، اذا لم يكن ذلك هو المبرر السياسي والأخلاقي للفعل الثوري وحتى لتلك التضحيات التي ترافق العملية الثورية في كل زمان وفي كل مكان .

بمنطق آخر يظل مقدار النجاح في إنتاج شروط التحولات الثورية التي تمس حياة الأفراد والجماعات بشكل إيجابي هو الفارق الجوهري الذي يجعل من الثورة حدثاً سياسياً أو حدثاً تاريخياً في الذاكرة الوطنية وحتى في التاريخ السياسي حين يكون هذا الأخير قادراً على تدوين الاحداث الثورية في تجارب الشعوب ، على إعتبار أن الفعل الثوري في بعض التجارب الثورية قد ينجح في مسألة الهدم وحتى في تغيير الوجوه ولكنه يكرر الفشل بشكل دائم في تغيير التوجه كما هو الحال بالنسبة للأقطار العربية عموماً واليمن على وجه الخصوص .

هذه المعضلة العربية المزمنة تاريخياً والمتعلقة بالنجاح في الهدم المقرون دائما بالفشل في البناء والتقدم نحو المستقبل هي الفكرة الجوهرية التى يدور حولها كتاب “العرب والسياسية اين الخلل ” ؟
للمفكر العربي الكبير محمد جابر الانصاري .

إذاً الحديث عن مسألة الفشل المتكرر في تغيير التوجه أو ” تكرار الرسوب في اختبارات السياسية ” على حد وصف الانصاري في كتابه المذكور هو الذي يقودنا بطبيعة الحال للحديث عن إشكالية الدولة والديمقراطية في زمن الربيع العربي ، كما أن مجرد التفكير بعقل مفتوح في تجاوز هذه المعضلة الكبرى ذات الجذور التاريخية ، يقودنا هو الآخر إلى السؤال المطروح سابقآ والمتعلق بالنقطة التي يجب أن ينطلق منها فعل التأسيس للمستقبل العربي في زمن الربيع = ( توافق ام تنافس ) لاسيما فيما يتعلق بالثنائية المتلازمة سياسياً = ( الدولة والديمقراطية ) والتي يشكل وجودهما المحايث مداميك الدولة الضامنة ببعدها الوطني والمدني ، هذا في حال كنا جادين في التعاطي مع سؤال الدولة المدنية الحديثة بعقلية مفتوحة وقادرة في نفس الوقت على قراءة الخصوصية الظرفية التي نعيش في ظلها ، لاسيما ووقعنا العربي حتى اليوم يفتقد للكثير من شروطها التي تحدثنا عنها سابقاً في معرض حديثنا عن التجربة الأوروبية، بعد أن تعمدنا تأجيل الحديث بشكل مباشر عن سؤالنا الإشكالي المتعلق في صلب هذه المقالة أو قل وضعنى هذا السؤال بين قوسين لحين الانتهاء من الحديث عن تلك المعطيات التي رافقت فعل التغيير في التجربة الأوروبية وأدت بمجملها وبصيرورتها إلى اختراع فكرة الدولة المدنية الحديثة كنتيجة حتمية وطبيعة لمخاض عسير استمر قرون من الزمن .

فالمؤكد في ظل التجربة الأوروبية أن فعل التغيير في هذا المخاض العسير كان واعي تماما لطبيعة المشكلة وجذرها وحتى لِمُشكل التكوين والتفكير وحتى لمفهوم الشراكة والتحالفات عند مجمل القوى السياسية والاجتماعية التي انحشرت في معادلة الصراع وفي مسار التغيير الثوري حتى في حال لجوء بعض التجارب إلى خيار الحروب الثورية .

بمنطق آخر كان فعل التغيير الثوري في كل منعطف تاريخي يؤسس لمعادلة صراع سليمة وناجحة تقوم على مفهوم الفكرة الثورية نفسها بين قوى حداثية ومدنية تقدمية تفكر بعقلية المستقبل وبين قوى تقليدية ممانعة تفكر بملئ مخيالها الساسي بعقلية الماضي أو أن الماضي هو مبرر وجودها في هذا الحاضر !!! .
المصدر : فهمي محمد