الملف النووي الإيراني: هل يمكن أن تنقذ مبادرة فرنسا ما تبقى من الاتفاق؟

الملف النووي الإيراني: هل يمكن أن تنقذ مبادرة فرنسا ما تبقى من الاتفاق؟

الملف النووي الإيراني: هل يمكن أن تنقذ مبادرة فرنسا ما تبقى من الاتفاق؟

لم يعد في جعبة إيران الكثير من الخطوات قبل أن يسقط الاتفاق النووي ليلفظ أنفاسه الأخيرة.
الوثيقة التي أُعلن عنها في صيف 2015 في فيينا، تبدو اليوم وكأنها تحولت إلى وثيقة أرشيفية يعود إليها الإيرانيون لإعلان خطوات التخفف المتلاحقة، وشركاؤهم للتنديد بخرق الاتفاق، بينما الولايات المتحدة سبقت الجميع للخروج واعتبارها وكأنها لم تكن.
الاتفاق اليوم في حالة لا يحسد عليها، عالق بين عقوبات أميركية ضاغطة على طهران، وخطوات إيرانية تصعيدية تفرغه من مضمونه.
في إعلان الخطوة الثالثة، الذي جرى في طهران السبت، أعلن المتحدث باسم الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية بهروز كمالوندي أن طهران بدأت بتطبيق الخطوة لتقليص التزاماتها بالاتفاق النووي وأن تقليص إيران التزاماتها جاء ردا على انتهاكات واشنطن للاتفاق، مضيفا أن هذه الإجراءات تأتي في إطار سعي طهران "لإيجاد توازن بين حقوقنا والتزامات الطرف المقابل في الاتفاق النووي".
عديدة هي الخطوات التي تضمنها الإعلان الإيراني، من إدخال أجهزة طرد مركزية متطورة إلى منظومة التخصيب، ورفع مستوى التخصيب إلى مليون سو (وحدة قياس نووية)، بالتالي رفع كل القيود بشأن تخصيب اليورانيوم وأبحاثه.
مع ذلك كان واضحا أن الإيرانيين أرادوا التأكيد على الخط الرفيع الذي رسموه من البداية بين التزامهم بالاتفاق النووي والتزامهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالشفافية، بالتالي بدا التأكيد جزءا من عملية التهديد بالخطوة ما بعد القادمة والتي قد يكون عنوانها، الحد من الشفافية وتقليص إطلاع مراقبي الوكالة الدولية على النشاطات الإيرانية.

لم يكن رئيس الوكالة الدولية بالوكالة، كورنيل فيروتا، بعيدا عن موقع الإعلان الإيراني، إذ أنه كان في الطريق إلى طهران للقاء المسؤولين الإيرانيين حول التطورات النووية الأخيرة.
زيارة فيروتا وإن كانت مقررة للتباحث ضمن إطار التعاون المستمر بين إيران والوكالة على حد تعبير سفير إيران لديها كاظم غريب آبادي، إلا أنه لا ينفي أن الوكالة نفسها بدأت تشعر بالقلق إزاء الخطوات الإيرانية لخشيتها من أن يؤدي الإنهيار الكامل للاتفاق النووي إلى ثغرة غائرة في برنامجها طويل الأمد لمنع الانتشار النووي.
تقول إيران إنها تصعّد لحماية ما تبقى من الاتفاق النووي بينما يتهمها شركاؤها من مجموعة الثلاث الأوروبية في الإتفاق بأنها تقوض مساعيهم لتخفيف التوتر وتمكينها من الاستفادة من الاتفاقية النووية التي جرى الإعلان عنها في تموز يوليو/ تموز 2015 وخرجت منها الولايات المتحدة في مايو/ أيار 2018.
وبعد زيادة كمية اليورانيوم ورفع مستوى التخصيب تتجه إيران الآن نحو رفع كل القيود عن الأبحاث والتطوير في مجال أجهزة الطرد المركزية. الخطوة الإيرانية الثالثة تهدف لزيادة الضغط على الأوروبيين لتقديم المزيد من التنازلات، وفِي آن تحمل لواشنطن رسالة سياسية متعددة الأوجه، المفهوم منها أن طهران تستمر في جمع الأوراق المناسبة لطرحها على الطاولة عندها لحين موعد التفاوض.
يبدو جليا من هذه الخطوات أن طهران، إلى جانب رغبتها الدفع بشركائها الحاليين من أوروبيين وروس وصينيين باتجاه الضغط لإعادة الاعتبار لمكتسباتها من الاتفاق النووي، تتقصد إثارة القلق لديهم ولدى خصومها في الولايات المتحدة الأميركية بالإعلان بوضوح أنها تعيد تفعيل برنامجها بشكل وتدريجي، وتذهب أبعد بكثير مما كانت عليه عشية الإعلان عن الاتفاق النووي في يوليو/ تموز 2015.
هذا القلق يعيد إلى الذهن الكلام الذي كان يتردد علنا حول المسافة الزمنية التي تفصل طهران عن الحصول على قنبلة نووية، أو جاهزيتها العلمية والعملية لذلك، رغم الفتوى الشهيرة للمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بتحريم صناعة واستخدام وتخزين أسلحة الدمار الشامل.

قبل أيام تحدث الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال تمهيده للإعلان عن الخطوة الثالثة، تحدث عن المسار الذي لم يتوقف بين فرنسا وإيران في إطار عملية التفاوض للوصول إلى تسوية تعيد إيران إلى إلتزاماتها.
حينها قال بوضوح إن المحادثات قطعت شوطا كبيرا وجرى حل الكثير من القضايا العالقة، لكن ما تبقى على قلته لا يزال مهما جدا. هو هنا يقصد الحلول التي مهدت لدعوة وزير خارجيته محمد جواد ظريف إلى فرنسا خلال إنعقاد قمة السبع للقاء الرئيس إيمانويل ماكرون ووزير خارجيته، وكذلك النقاط القليلة التي حالت التفاصيل بينها وبين أن تتحول إلى تسوية جانبية تعيد للاتفاق روحه التي بدأت تُزهق.
خطوة واحدة فقط من إيران كافية لإنهاء ما تبقى من بنود تقنية في الاتفاق النووي، هكذا قالت الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية، وهو عينه الذي قاله عباس أصلاني، الصحفي المتابع للملف النووي والذي غطى جولات المفاوضات العديدة من لوزان إلى جنيفإلى فيينا.
يقول أصلاني لبي بي سي إن الخطوة الرابعة هي التي من بعدها سيصبح الأمر بيد السياسيين الإيرانيين للحسم بعدها إذا ما كان الإطار المسمى الاتفاق النووي قابل للإحياء أم أن اتفاقا جديدا يجب أن يُعقد.
هو يشير إلى نقطة مشتركة بين أميركا وإيران تدفع باتجاه الحسم، فرغم تباين السرديات بين البلدين إلا أن طهران وواشنطن تواجهان تحديات انتخابية آزفة، وبالتالي سيكون على القادة والساسة في البلدين تقديم إجابات واضحة للقواعد الشعبية المهتمة بالسياسة الخارجية حول أفق الحل أو المواجهة في هذه القضية.

المصدر : BBC عربي