"الرواية المسافرة" .. مبادرة تهدف إلى تسفير الكتب لتشجيع القراءة

"الرواية المسافرة" .. مبادرة تهدف إلى تسفير الكتب لتشجيع القراءة

"الرواية المسافرة" .. مبادرة تهدف إلى تسفير الكتب لتشجيع القراءة

بات موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" مرتعا خصبا لـ"تفريخ" مجموعة من المبادرات الرامية إلى انتشار فكرة وتبنيها عبر الانخراط فيها والتشجيع عليها من لدن المعجبين بها. وتعد "الرواية المسافرة" واحدة من هذه المبادرات الهادفة إلى التثقيف، وهي فكرة مغربية محضة لاقت استحسان "ملتهمي" الروايات بمختلف اللغات.
"الرواية المسافرة" أيضا مبادرة للتشجيع على القراءة، تعتمدا أساسا على الروايات والكتب (الورقية) التي يتوصل بها الأعضاء عن طريق البريد. ويمكن لأي عضو أن يساهم برواية أو كتاب حسب الرفوف الموجودة بالمجموعة، إذ تضعه اللجنة المشرفة رهن إشارة القراء، وينتقل بين عشرة منهم ليعود في النهاية إلى صاحبه الأصلي.
وفي هذا السياق قال علي ابطاش، أستاذ الفلسفة بمدينة تيفلت، وأحد أعضاء المجموعة، إنه منذ سنة 2017 و"الرواية المسافرة" تنضج وتكبر على "فايسبوك"، من أجل التشجيع على القراءة وإيصال بعض الروايات إلى الشغوفين بالمطالعة ممن يفتقرون إليها، وزاد: "كما أن الأمر لا يقتصر على جنس الرواية فقط، بل هناك كتب نقدية وأدبية أيضا رغم قلتها".
وتابع ابطاش في تصريح لهسبريس بأن أول رواية سافرت هي "أم النذور" لعبد الرحمان منيف، التي أرسلها رشيد لبيز في اتجاه مدينة تارودانت، ومن هناك بدأت المجموعة تتوسع وتتطور، وعند كثرة الإقبال تم التفكير في تأسيس قواعد وقوانين خاصة بها.
وزاد أستاذ الفلسفة: "منذ 2017 والرواية المسافرة تحتفظ بنفس الزخم والإقبال وتعرف توسعا أكبر، بدليل أن عدد المنخرطين يزداد وأن المكتبة تنمو، فبعدما انطلقت برواية أو اثنتين، بلغت اليوم حوالي 500 رواية تسافر من مدينة إلى أخرى، من أجل أن يستفيد منها 10 قراء، على أساس أن تعود إلى صاحبها. كما أن عدد الأعضاء بلغ حوالي 8 آلاف".
من جهته، أدلى طارق بكاري، روائي مغربي، بدلوه في الموضوع، موردا أن "المبادرة محمودة، لأن الرواية تسهم في توسيع مدارك القارئ وتغني ثقافته"، مشيرا إلى أنه ساهم هو الآخر بروايتيه "نوميديا" و"مرايا الجنرال".
وأضاف بكاري، في تصريح لهسبريس، أن الجميل في المبادرة أن ثمن الإرسال عبر البريد ليس مكلفا، ذلك أنه لا يتجاوز 10 دراهم، بغض النظر عن حجم الكتاب والمدينة المرسل إليها، وهذا المعطى يشجع على القراءة.
ورغم نجاح الفكرة وانتشارها بين المهتمين بالفعل القرائي بالمغرب، إلا أن خالد الخراز، أحد المشرفين على تسيير المبادرة، قال إنه "رغم نجاح التجربة وتوسع قاعدة المستفيدين التي شملت أغلب مناطق المغرب، بل ووصلت بعض الروايات إلى خارج الوطن، إلا أن هذا لا يعني أن طريق الرواية المسافرة مفروشة بالورود، بل هناك صعوبات وعقبات، من بينها ضياع بعض الروايات"، وزاد موضحا: "تختفي بين الفينة والأخرى رواية هنا أو هناك، لأسباب متعددة، ورغم أن العديد من الأعضاء يبادرون مشكورين إلى تعويض هذه الروايات التي أرسلوها أو كانت في الطريق إليهم ولكنها لم تصل، إلا أن هذا المشكل يؤرقنا ويسبب ضياع الكثير من الجهد في السؤال والبحث، كما أنه يؤخر سفر هذه الروايات كثيرا".
أما المشكل الثاني، وفق تصريح خص به الخراز هسبريس، فهو الخدمة البريدية، موردا: "معلوم أن الرواية المسافرة تعتمد على البريد في إيصال الروايات إلى الأعضاء من خلال خدمة بريدية خاصة بالكتب، تمكن من إرسالها بثمن مخفض ما بين 4 و5 دراهم ويصل إلى 10 دراهم للكتب التي تتجاوز الكيلوغرام، ولكن هذه الخدمة في الحقيقة غير متداولة كثيرا، ما يجعل بعض الموظفين لا يتعرفون عليها ويصرون على إرسال الروايات بخدمة "أمانة"، ما يجعل بعض الأعضاء يرسلون روايات أحيانا بنفس ثمنها أو بثمن يفوق ثمنها الأصلي، وهو ما يشكل عائقا أمام استفادة العديد من الأعضاء، خصوصا من فئة التلاميذ والطلبة"، مردفا: "نسعى جاهدين إلى تجاوز هذا الأمر، فالمراكز البريدية التي تعرف هذا الإشكال تتراجع، وهذا يتطلب جهدا تواصليا من الأعضاء مع موظفي البريد".
واستطرد المتحدث ذاته: "من بين العوائق أيضا عدم انضباط بعض الأعضاء لقوانين المجموعة، إذ تبقى الرواية في حوزتهم لمدة طويلة أو يتماطلون في إرسالها..ورغم أنها حالات معزولة، إلا أنها تضيع وقتا ثمينا يمكن توظيفه في خدمة قراء آخرين، خصوصا أمام محدودية عدد المشرفين".
والهدف من كل هذا، يقول الخراز، هو "تحقيق المصالحة مع فعل القراءة في مجتمع يوصف بأنه يجافيها، وبعث الحياة في الروايات المركونة على الرفوف، لأن الرواية المركونة في الرف هي رواية ميتة، وبالتالي فسفرها هو بعث لها من جديد؛ فحياة كل رواية تكمن في كونها مقروءة"، وزاد: "كما أن المبادرة تمكن أعضاءها ـ حتى القاطنين في مناطق نائية وبعيدة ـ من الحصول على روايات وكتب ورقية تصلهم بريدا إلى منازلهم أو أماكن عملهم؛ مع العلم أن العديد من هذه الروايات يصعب الحصول عليها، إما لغياب المكتبات أو لندرتها أو غلاء ثمنها، أو لأنها مفقودة في السوق".
واستفاض المتحدث شارحا: "الكثير من القراء سمعوا عن بعض العناوين وبحثوا عنها دون جدوى، لأنها نفدت ولم تصدر منها طبعات جديدة، في حين أنها مركونة في رف من الرفوف. هذه المبادرة مكنت أيضا من نسج صداقات بين عشاق القراءة وبعثت بارقة أمل بأن فعل القراءة مازال بخير، وخلقت نوعا من "الدمقراطة القرائية"، إذ صار بالإمكان وصول آخر الإصدارات إلى أماكن بعيدة عن المركز بدل اقتصارها على المدن الكبرى".
وبما أن لكل مبادرة أو مجموعة قوانينها فإن لـ"الرواية المسافرة"، حسب اللجنة المشرفة، مجموعة من القوانين، التي تسعى إلى إنجاح العملية، وأن تنتقل الروايات والكتب بين القراء دون مشاكل أو تعثرات؛ ولعل أهمها تعبئة استمارة القارئ، ثم الاطلاع على قوانين المجموعة، علاوة على المساهمة برواية أو كتاب من أجل الشروع في الاستفادة من المكتبة المسافرة، ناهيك عن طلب الروايات أو الكتب على الألبومات بالتعليق بالاسم الكامل والمدينة، دون إغفال ضرورة إعلان استلام الرواية أو الكتاب، أو إنهاء قراءته، أو إرساله، على صفحة الرواية المسافرة، حتى يسهل على اللجنة تتبع العملية والتنسيق لانتقال الرواية إلى القارئ الموالي. كما أنه لا ترسل الروايات أو الكتب إلا بتوجيه من اللجنة، التي تسهر على تنظيم العملية وتزود الأعضاء بالعناوين. ويمنع أي إرسال عشوائي دون عودة للجنة المشرفة، فضلا عن أنه على الأعضاء الراغبين في التوصل برواية أو كتاب التأكد من صحة عناوينهم البريدية تجنبا لضياع الرواية، وفي حالة الشك يمكن استلام الرواية عن طريق منسق المدينة. وفي حالة ضياع الرواية، يجب من الناحية الأخلاقية العمل على تعويضها بنفس الرواية، أو بعمل آخر بتنسيق مع اللجنة.
كما أن اللجنة يمكن أن تتجاوز دور بعض القراء، إما لأنهم يتوفرون على رواية مسافرة ـ مع الاحتفاظ لهم بدورهم ـ وإما لأنهم لا يتجاوبون مع مراسلات اللجنة، وإما لأن عناوينهم غير موثوقة، ما يهدد بضياع الرواية...
المصدر : هسبريس