ثقافه الخطاب والصورة الإعلامية وتغييب حقيقة الثورة في اليمن (2/4)

ثقافه الخطاب والصورة الإعلامية وتغييب حقيقة الثورة في اليمن (2/4)



1- الحقيقة الأولى: فيما يتعلق بدور التنظيم السياسي الثوري فإن الثورة في الشمال وكذلك في الجنوب "قامتا" في الأساس على حاملٍ سياسي تنظيمي تولى تفجير شرارتها عشية الثورة تنظيم عسكري في الشمال { الضباط الأحرار } وتنظيم جبهوي في الجنوب { الجبهة القومية} .
2- الحقيقة الثانية :
فيما يتعلق بدور الفرد المحوري في قيادة فعل الثورة وصناعة الحدث الثوري؛ فإن تنظيم الضباط الأحرار في الشمال كانت قياداته العسكرية مكونة من خمسة ضباط صغار جميعهم برتبة ملازم ، انتخبوا في الإجتماع الرابع والأخير لتنظيم الضباط الأحرار بتاريخ 5/ ربيع الأول ,1382/ه ، وهم علي عبد المغني رئيسًا ، عبداللطيف ضيف الله ، أحمد الرحومي ، صالح الأشوال ، محمد مطهر زيد؛ وفي الجنوب عشية الثورة كانت قيادة الجبهة القومية التي صاغ ميثاقها التأسيسي المناضل اليساري الجسور "سلطان احمد عمر" المؤسس الأول لحركة القوميين العرب. وفي الإجتماع التأسيسي الثاني للجبهة بحضور ( عبدالفتاح اسماعيل) والمنعقد في منطقة الأعبوس بتاريخ 19/ اغسطس 1963/م؛ حسم تحت مسمى (الجبهة القومية) وقد كانت عملية تشكيل قيادة الجبهة القومية "مناصفة" بين حركة القوميين العرب وبين بقية الفصائل الست ، منهم : قحطان الشعبي أمين عام الجبهة ، أحمد علي السلامي ، عيدروس القاضي والذي انسحب بضغط من حزب الشعب الإشتراكي ، عبدالله المجعلي (فُصِل بعد ذلك من الجبهة) ، ناصر السقاف ، طه مقبل ، سالم زين ، عوض الحامد ، وغيرهم ... أما القيادة الميدانية التى تولت فعلياً قيادة الكفاح المسلح والمواجهة المباشرة مع المستعمر كان في مقدمتها المناضل والمفكر الأممي / عبد الفتاح اسماعيل الجوفي ، الذي تولى قيادة العمل الفدائي في مدينة عدن التي كانت يومها تحتضن أكبر قاعدة عسكرية للمستعمر البريطاني في منطقة الشرق الأوسط ، وأكبر خليه استخباراتية أمنية تلتقط دبيب النمل على مساحتها الصغيرة جداً ، لدرجة أن خطورة العمل على نقل المواجهة العسكرية من الأرياف إلى داخلها استدعى النقاش مع جمال عبدالناصر "شخصياً"؛ وقد نجح عبدالفتاح اسماعيل في قيادة العمل الفدائي داخل هذه المدينة الصغيرة والمغلقة حتى الإستقلال ، لاسيما في ــ العمليات الكبيرة ــ التى استهدفت ضرب المطار والإذاعة وسكن الضباط وغيرها...؛ وكما نجد ذلك في الخرائط والوثائق المكتوبة بخط عبد الفتاح اسماعيل والمرفقة في كتابين " (انتصار شعب وهزيمة إمبراطورية) لـ "محسن" ، أحد القادة في أكتوبر وكتاب (ثورة 14 اكتوبر) لـ "راشد محمد ثابت" الذي كان أحد الفدائيين في جبهة عدن ، وإلى جانب عبد الفتاح اسماعيل برزت أسماء في قيادة الجبهات الأخرى أمثال : سالم ربيع علي ، علي صالح عباد مقبل ، على سالم البيض الذي قال مسدوس عنه : أن جبال ردفان ارتوت من دم أقدامه أكثر من عرق أبناء ردفان ، وكذلك أنور خالد ، علي ناصر ، علي عنتر ، صالح مصلح، علي شائع ، محمد علي هيثم ...الخ، ما يعني في النتيجة أن جل قيادات الصف الأول للحزب الإشتراكي اليمني ، كانت بلاشك هي القيادة السياسية والعسكرية الميدانية في ثورة الـ14 من أكتوبر المجيدة؛ كما أن الجبهة القومية التي تولت الكفاح المسلح في ثورة أكتوبر كانت هي الإطار السياسي الثاني في مسيرة التكوين السياسي والتأريخي للحزب الإشتراكي اليمني؛ لهذا ليس بمستغرب على الإعلام الحكومي والخاص المقصود في هذه المقالة أن يعمل على تغييب حقائق الحدث الثوري الذي غير مجرى التأريخ في اليمن شمالًا وجنوبًا؛ فالقائمين على هذا الإعلام يجدون انفسهم غرباء مقطوعين الصلة التأريخية والسياسية التي تربطهم بصناعة الحدث الثوري في سبتمبر وأكتوبر من جهة ، ومن جهة أخرى نجد هؤلاء لا يملكون الشجاعة السياسية والأدبية وحتى الأخلاقية التي تدفعهم للإعتراف بنضالات الآخرين وتأريخهم ومنجزاتهم الوطنية .
3-الحقيقة الثالثة :
على مستوى البعد الأيدولوجي؛ كانت القومية العربية هي الحالة الفكرية والثقافية الحاضرة في الشطرين؛ بل كانت هي الهوية السياسية والحزبية الإنتمائية بالنسبة للفرد القائد عشية اندلاع الثورة ، وكذلك كانت بالنسبة للتنظيم السياسي الثوري الذي تولى تفجير شرارتها وقيادتها العسكرية والسياسية على مستوى الشمال والجنوب ، فالباحث المتجرد والمشهود له بالنزاهة والحياد في أبحاثه " قادري أحمد حيدر " الذي أُختيرَ من ضمن عشرة كتاب عرب ، من قبل مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت؛ وبناءً على هذه الثقة العلمية والبحثية تم تكليف هؤلاء العشرة من قبل رئاسة المركز بإعداد دراسات عملية تفصيلية عن نشأة الأحزاب القومية ودورها السياسي في بلدانهم ، فكانت دراسة الأستاذ قادري الموجودة بين دفة كتابه القيِّم أكثر من اللازم { الأحزاب القومية في اليمن } وفي هذه الدراسة يؤكد الباحث أن الخمسة المنتخبين في قيادة تنظيم الضباط الأحرار المذكورين سابقًا كانوا يومها أعضاء في حزب البعث باستثناء "صالح الأشوال" الذي كان مستقل ، وحزب البعث كما هو معروف كان أول حزب رفع شعار القومية العربية؛ وما يؤكد بعثية هؤلاء القادة الحقيقين في سبتمبر من وجهة نظر هذه المقالة هو عدم السماح لتنظيم الضباط الأحرار من عملية التحول إلى تنظيم سياسي ثوري يعمل على مواصلة القيادة السياسية لزمام الثورة ، لكون حزب البعث القومي كان هو الحاضر الأبرز داخل تنظيم الضباط الأحرار ، والبعثيين بشكل عام كانوا يومها في حالة خصام شديد مع نظام جمال عبدالناصر لاسيما وأن هذا الأخير ــ أصبح مؤثراً وفاعلاً ــ بطريقة مباشرة في صلب القرار السياسي والعسكري داخل سلطة الثورة في شمال اليمن ، وهذا الإقصاء جعل حزب البعث فيما بعد يقف مع القوى التقليدية في إنقلاب 5 نوفمبر 1967/م. أما على مستوى الجنوب فإن الحقيقة المؤكدة التي لا تقبل الجدل فيها أن حركة القوميين العرب فرع الجنوب اليمني التى كان يرأسها المناضل / فيصل عبداللطيف الشعبي هي التي أسست الجبهة القومية التي تولت قيادة الثورة المسلحة في الجنوب ، بالتنسيق مع قيادة الحركة في الشمال ومع القيادة العامة في بيروت التي تواصلت شخصياً مع جمال عبدالناصر فيما يتعلق بضرورة تشكيل جبهة مسلحة تتولى الكفاح المسلح في جنوب اليمن ضد المستعمر البريطاني ، ما يعني في النتيجة على مستوى الداخل اليمني أنه لولا وجود الأحزاب القومية في اليمن لاسيما ــ حزب البعث في الشمال وحركة القوميين العرب في الجنوب ــ لكان حديثنا اليوم عن ثورة سبتمبر 62 وأكثوبر 63 غير ممكن ، أو لتأخر الحديث عنهما إلى عقدٍ آخر هذا من جهة أولى ، وعلى المستوى الخارجي من جهة ثانية لولا وجود الزعيم والقائد السياسي للمشروع القومي العربي التحرري ( جمال عبدالناصر ) على رأس النظام الحاكم في مصر؛ لكان الفعل الثوري في اليمن عشية سبتمبر وأكتوبر أشبه بقفزة في الظلام ، أو لكان الإنتصار فيهما يحتاج إلى وجود معجزة سياسية وعسكرية لاسيما وأن الثورتين في اليمن ــ ارتبطتا ــ منذ البداية ، بل من قبل أن تندلع شرارتيهما الأولى بمسألة التنسيق والدعم اللامحدود من قبل النظام العروبي الحاكم في مصر بقيادة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر .
المصدر : فهمي محمد